تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير: سلمان أبو عبيد - الأردن
آخر تحديث 08/01/2012 09:57

في طريق عودتنا من الأردن بعد رحلة عائلية لفت انتباهنا مشهد غير اعتيادي لعشرات الأطفال والنساء والشيوخ الذين تجمهروا أمام مستودع لتوزيع المواد الغذائية والملابس على الطريق الرئيس لمدينة المفرق الأردنية. كان المشهد ملفتا للانتباه والمحتشدون يتدافعون نحو المستودع وتبدو على وجوههم ملامح الحزن والخوف والجوع. أدركت حينها أن في الأمر شيئا فاق أبعاد العوز والفقر. توقفت واستفسرت عن الأمر فعلمت أن الحديث يدور عن لاجئين سوريين نزحوا من بيوتهم وقراهم طلبا للأمن والأمان في الأردن.
كانت هذه فرصة لتسليط الضوء على معاناتهم. وفي غمرة اندفاعهم نحو المساعدات الغذائية في ذلك المستودع بدأت ألتقط بعض الصور على أمل أن نقترب من الواقع المرير الذي تعيشه العائلات السورية الهاربة من بطش نظام دموي.
لاحظت أن هاجس الخوف من الكاميرا علا وجوه الأطفال والنساء، فأدركت حجم الرعب الذي انتابهم من قمع النظام، إلى درجة أن كل من التقيناهم تركوا تجمهرهم حول مستودع الأغذية وراحوا يطلبون منا عدم نشر صورهم وأسمائهم خوفا من قمع النظام، رغم أنهم في منطقة آمنة!!!
أوضحنا لهم أن هذه الشهادات هدفها توثيق معاناتهم وإظهار جزء مما يحاك ضدهم من ظلم واضطهاد، فوافق البعض منهم على الإدلاء بهذه الشهادات المؤلمة.

عذبة (أم محمد) من حمص: "أطلقوا الرصاص على امرأة حامل وقتلوها أمام عيني"
الشهادة الأولى كانت للحاجة عذبة (أم محمد) البالغة من العمر 63 سنة. وكان باديا الخوف والوجل على وجهها. سألتها عن أصعب المواقف التي واجهتها فقالت: "شاهدت بعيني امرأة حامل قطعت الطريق في اتجاه الدكان فرماها القناصة بوابل من الرصاص وماتت أمام عيني".
وأضافت: "هؤلاء المجرمون من شبيحة النظام لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. لقد ذبحوا عشرة أشخاص من عائلتي وأقاربي. الناس يعيشون في جحيم لا يطاق، محاصرون في بيوتهم. وكان أحدنا لا يجرؤ على الخروج من بيته لقضاء حاجة. والذي يقرر الخروج يكون قد حمل روحه على كفه ويتوقع في كل لحظة أن يلقى الموت!!!

أم مالك: "لا أعرف عن أهلي شيئا.. هل هم بين الأحياء أم في عداد الشهداء"
أما السيدة أم مالك، وهي من سكان "بابا عمرو" في مدينة حمص، فلا يزال الخوف والقلق يسيطران على حياتها. وجدناها وقد انقطعت أخبار أهلها منذ أن نزحت مع زوجها إلى الأردن، لا تعرف شيئا عن وضع ومصير ذويها. قالت والدمع يذرف من عينيها: "لا أعرف شيئا عن أهلي، هل هم بين الأحياء أم في عداد الشهداء".
وأضافت: "أخرجوا أهلي من البيوت عنوة، ولا أدري الآن ما مصيرهم. لقد قتل الشبيحة أربعة أشخاص من عائلتي. القذائف تضرب الناس في كل مكان. شاهدت رجلا حمل ابنته في السيارة لمعالجتها فأطلقوا عليه قذيفة فاستشهد هو وابنته. هؤلاء المجرمون من أنصار النظام العلوي كانوا يطلقون علينا القنابل الفوسفورية المحرمة. لا أحد منا يجرؤ أن يصل إلى المراكز الطبية. هم يطلقون الرصاص والقذائف على كل شي يتحرك!!!".

"أخرجوا 8 أشخاص من عائلة واحدة وذبحوهم"
في خضم تسجيل الشهادات تجرأت السيدة أم خالد على الإدلاء بشهادتها بعد أن كان انتابها الخوف الشديد من الحديث "خوفا من النظام". وقالت: "يا ابني قامت عصابات الشبيحة بطرق الباب على عائلة مكونة من 8 أشخاص.. أخرجوهم من البيت وذبحوهم جميعا!!!".
وأضافت: "شاهدت إحدى الدبابات ألقت قذيفة على بيت في حمص فاستشهد كل من كان في البيت وكان عددهم 8 أشخاص".
وتتابع أم خالد: "عشنا أياما صعبة وبقينا بدون كهرباء ولا ماء ولا طعام أسبوعا كاملا، كنا نطحن الخبز اليابس مع الماء ونأكله. ما كنا نستطيع الخروج من بيوتنا شبرا واحدا، فالقناصة كانوا يحصدون الأرواح من على سطوح البيوت".

حملة دمار على المآذن والمساجد
وتعود السيدة عذبة (أم محمد) إلى الحديث: "النظام العلوي صب جام غضبه على المساجد. كانوا يقصفون المآذن لأن صوت التكبير يعلو منها. هدموا جامع العمري في حمص ومسجد الأنوار. هم يحملون حقدا دفينا على بيوت الله، ينظرون إلى المساجد نظرة عداء، يسبون الذات الإلهية وفي نفوسهم ضغينة وحقد على أهل السنة. كانوا يتلفظون بألفاظ بذيئة كلها كفر".

قتلوا الطبيب لأنه كان يسعف الجرحى
ولما سألت عن حياة الناس اليومية في ظل بطش النظام عادت أم محمد تقول: "الوضع صعب للغاية. الناس يعيشون الرعب كل لحظة، ومنهم من ينتظر الموت في كل لحظة.. الجثث في كل مكان والجرحى لا عدد لهم، ومن الجرحى من بقي ينزف حتى لقي ربه شهيدا. يقتلون ويمنعون إسعاف الناس. قام أهالي الحي في حمص بتوفير مستوصف خاص لعلاج الجرحى، ولما اكتشفه شبيحة النظام قصفوا المستوصف وقتلوا الطبيب الذي كان يعالج الناس ويداوي الجرحى.. قتلوه بدم بارد".

"الطائفة العلوية في خطر إذا سقط النظام"
تقول الحاجة عذبة: "النظام السوري المجرم كان يستعطف الطائفة العلوية ويقنعهم أنه في حالة سقوط النظام فسيكون العلويون في خطر وسيقتلهم أهل السنة. وهذا طبعا غير صحيح".
أما عن التعذيب في السجون فحدث ولا حرج - كما قال الشاب عماد البالغ من العمر 22 سنة: "لديهم من أصناف التعذيب ما لا يتصوره عقل البشر. يشبحون السجين ويعلقونه مثل الشاة ويصعقونه بالكهرباء ويوسعونه ضربا. الكثيرون ماتوا تحت التعذيب".

"أخرجوا الجثة من القبر"
من أكثر الشهادات إيلاما كانت شهادة الطفل هلال مهنا الأجرب (12 سنة)، الذي قال: "قتل أزلام النظام ابن عمي وعمره (13 سنة). خرج يشتري الحليب من الدكان فصوبوا عليه وقتلوه على الفور. ذهبنا به إلى مسجد الجولاني ومن ثم دفناه في المقبرة، وبعد الدفن جاءوا وأخرجوا جثته من القبر ووضعوها في حقيبة سفر ورموها في الحارة، وبعد ذلك دفناه من جديد".
أما الطفل أحمد رمضان الأجرب (13 سنة) وهو من أقارب الطفل الشهيد فقد أكد هذه الرواية وكان يظهر على جسده بعض آثار التعذيب. قال: "كان الشهيد يضحك ويبتسم لما دفناه مرة أخرى"!!!
في حقيقة الأمر فوجئت كثيرا من درجة الوعي والفهم الذي تميز به الأطفال السوريون؛ كانوا يتحدثون مثل الكبار.
"نحن لا نخاف من بشار".. قال الطفل أحمد الأجرب: "نحن لا نخاف إلا من الله تعالى، وكنا نحافظ على صلاة الفجر في المسجد وسط الحصار ولما نخرج إلى المسجد كنا ننطق بالشهادتين، لأننا كنا نتوقع الشهادة في كل لحظة".
ويقول الطفل عبد الله هلال: "سنعود إلى سوريا نبني مساجدنا ونعتز بديننا، وسنتخلص من هذا النظام العلوي المجرم بإذن الله. هذا النظام يحارب الدين والأحرار، فهو إلى زوال بإذن الله".

بشار غير اسمه إلى عمر
أما الطفل بشار رضوان الأجرب (12 سنة) فقد قرر أن يغير اسمه من بشار إلى عمر وقال: "اسم بشار سمة الدمار والقتل والظلم.. كرهت هذا الاسم وسميت نفسي عمر. بشار قتل شعبه، وجنوده قتلوا ابن عمي.. راح ليشتري الخبز فأطلقوا عليه النار وقتلوه. وقبل أن يلقى الله شهيدا سمعته يتمتم بصوت منخفض ويقول"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
وأضاف: "ولن أنسى أبدا يوم أن عذب الشبيحة رجلا مسنا. ثم سأله أحد القتلة: هل تريدون الحرية؟ قال: نعم.. وعلى الفور أطلق عليه الرصاص وقتله".

الشعب كسر حاجز الخوف
بالرغم من هذه الشهادات المؤلمة وحلقات التعذيب المستمرة والقمع والموت والإرهاب والرعب والخوف والظلم والكبت... بالرغم من هذا كله تقول أم محمد: "الشعب كسر حاجز الخوف، والمظاهرات تزداد قوة وصلابة يوما بعد يوم، فالشعب مصمم على إسقاط النظام، ونحن نؤمن أن المسألة مسألة وقت. الشعب السوري ما عاد يرعبه الموت. هذا نظام مجرم وظالم أعلن حربا على الله تعالى وقتل المؤمنين وهدم المساجد، وعلى العالم أن يدرك أنه نظام إرهابي قاتل".
"ولا أنسى يا إبني يوم أن قتلوا شابا وحيد والديه يبلغ من العمر 19 سنة. قتلوه بلا ذنب اقترفه. أنا أعرف هذا الشاب جيدا.. لقد قتل بدم بارد".

أصالة الشعب الأردني
يصل عدد اللاجئين السوريين الذين نزحوا من بيوتهم طلبا للأمن في الأردن إلى نحو 3000 لاجئ، والعدد قابل للازدياد مع استمرار القمع الوحشي الذي يقوم به النظام السوري.
وعند إعدادنا لهذا التقرير شاهدنا مدى أصالة الشعب الأردني، التي تجلت في احتضان اللاجئين السوريين وتقاسم رغيف الخبز معهم.
يعيش اللاجئون السوريون في الأردن في ظروف حياة آمنة ويحظون بقبول واستقبال شعبي ورسمي على حد سواء.
وكان مقر اللاجئين السوريين لدى جمعية المركز الإسلامي في مدينة المفرق. وهناك التقينا الدكتور صلاح قازان، مساعد المدير العام في الجمعية، فقدم شرحا مفصلا حول استيعاب اللاجئين من لحظة وصولهم إلى توفير كافة سبل الراحة لهم.
وعن ظروف استيعاب اللاجئين قال الدكتور صلاح: "منذ اللحظة الأولى من وصول اللاجئين وبعد التسهيلات الرسمية نوفر المسكن والحاجيات الأساسية الضرورية من التدفئة والمأكل والمشرب، وأهلنا في الأردن سطروا أعظم معاني العطاء والسخاء في احتضان إخوانهم اللاجئين. ونحن من جانبنا نولي ملف اللاجئين أهمية قصوى. وقد قبلنا كافة الطلاب للتعليم المجاني في مدارس جمعية المركز الإسلامي، بالإضافة إلى تقديم الخدمات الطبية والنفسية، كما فتحنا دورات لنحو 250 طالبا في مجال محو الأمية، وأدركنا فظاعة تعامل النظام السوري الظالم معهم".
ويضيف: "لم يقتصر عملنا مع اللاجئين على الجانب الإغاثي فقط، بل وفرنا مجالات العمل للكثيرين منهم، فهم عندهم إباء وكبرياء، ويصرون على العمل ليأكلوا لقمتهم بشرف".
هذا وتقدر تكاليف استيعاب اللاجئين السوريين بما يزيد عن نصف مليون دولار كل ثلاثة أشهر. 

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

تقرير خاص بأوضاع اللاجئين السوريين في الأردن

أضف تعقيب

ارسل

تعليقات


أذهب للأعلى