(( شُـرْفَـةُ شَـلَـبِـي ))

بقلم: أحمد هاني محاميد
آخر تحديث 26/12/2015 13:54

إنّه يتذكّر يوم أن وقف متحدّيا معلّم الحساب في الصف الأول. كان يومًا عظيما لا تستطيع القرائح المتوقّدة أن تنساه. إنّه يومٌ من أيّام العرب، فلا البسوس مثله، ولا داحس تزاحمه، ولا الغبراء تصل إليه، فأضحى يوما تؤرّخه العجائز والسنبلات، والنّسائم والأضحيات.
إنه يوم لا تستطيع الذاكرة الإنسانية أن تمرّ عنه دون أن تستخلص العبر والدروس منه، حتّى أصبح هذا اليوم مسجلا في دفاتر التاريخ وأروقته التي تتراقص سموّا وفخارًا، وأصبح سجّلا ومرجعًا لكل من أراد الحق، والوقوف أمام الثوابت والقِيَم.
كيف له أنْ ينسى هذا اليوم؟!
إنّه اليوم الذي وقف الجميع منبهرين من قوته وصلابته وصراحته.
الكل يشهد أنَّ شلبي هو رجل من نوع الرجال الذين لا تلين لهم قناة، ولا تَفتر لهم عزيمة، ولا تُكْسَرُ لهم شوكة، ولا تنحني لهم هامة.
الهواء يداعب أرنبته الغليظة، ممازحا إياها بشيء من العبث والاعتذار، فرأى الهواء محمرّ اللون، يميل طعمه إلى اللون القرمزيّ، وكلّما حاول أن يقيَ رأس أرنبته من مداعبة الهواء، جاءت نسمة خفيّة غنوجٌ قلبت موازين الدّروع الأمنية، فتجعلها تئنّ أمام لسعات الهواء.
تظهر على شفتيه ابتسامة خفيفة، معلنة موافقتها على هذا النوع من المداعبة التي يحبّها ، بل وينتظرها كلّما طالَ غيابها.
وربّما أبدى امتعاضًا مصطنعا أمام النّاس من هذه المداعبة، إلا أنّه في قرارة نفسه كان يدعو الله أن يديم هذه المداعبة الغامضة.
سيجارته التاريخية تشاركه هذا الإحساس الغريب، حتّى أصبحت بعضًا من شمائله ومناقبه التي يتضوّعها، وركنًا هامّا من قواعده التي لا تعرف حدود التاريخ.
يسحب نفسًا عميقًا من بوابة السيجارة، ماسكًا إيّاها بقوة غريبة خوفًا عليها من الانزلاق أو المتاهة، وتأخذ الدوائر الدخانية بتشكيل أسوارٍ عنكبوتية من الأمن لهذه السيجارة العجيبة.
ينظر إلى السماء متفحصًا أحوال النجوم، ويأخذ شلبي بمراقبة تحرّكاتها، ورصد مساراتها، وينظر يمينا وشمالا بتثاؤب ممزوج بخليط من نكهة النشاط الشّلبيّ.
يوم شلبي... هكذا اعتاد النّاس أن يطلقوا عليه، منذ أن وقف متحدّيا معلّمه في الصف الأول.
كم هو معجب بشخص العبسيّ عنترة ،بل ويرى نفسه عنترة هذا العصر؛ فكرًا واعتقادًا ووقوفًا على حمى الحقّ. وزاد في اعتقاده أنّ ثمّة نسبًا قويًّا يربط بينه وبين العبسي. فهو أجحم العين كما عنترة، وأخطم الأنف كما عنترة، وجهضمُ الهامة كما عنترة، وشَغْمُـومٌ كما عنترة، وبرطامُ الشّفة؛ تمامًا كما عنترة. وكلّما قرأ بعضًا من أشعاره تأخذه رعشه غريبة تخرجه عن أطواره المعتادة، فيأخذ شلبي بترديد بعض الأبيات التي تلاطف أنفاسه، وتطرب وجدانه، وعندما يصل إلى قول العبسي:
ضحكَتْ عُبَيْلةُ إذ رأتْني عاريًا خَلْقَ القميصِ وساعدي مَخدوشُ
لا تضحكي منّي عُبَيْلة واعجبي مِنّي إذا التَفَّت عليَّ جيوشُ
وَرَأَيْتِ رُمحي في القلوبِ مُحَكَّمًا وَعَليهِ مِن فَيْضِ الدّماءِ نُقُوشُ
إنّي لأعجَبُ كيف ينظرُ صورتي يومَ القتال مقاتلٌ ويعيشُ
تعتريه موجة من الرّقص والترديد، فيشعرُ أنّ هذه اللوحة الشّعريّة ترسم أوتار وجدانه، فيأخذ بالدّوران حول نفسه، فارشًا جسده، ممتشقًا سيف الشموخ، قاذفا سهام الكبرياء، رافعا رماح السموّ والمجد والخيلاء.
وإذا ما قرأ:
إنّي امرؤٌ سَمْحُ الخليقةِ ماجدٌ لا أتبعُ النَّفسَ الَّلجوجَ هَواهَا
تأخذه نشوة غريبة ممزوجة ببعض نسمات الأقحوان، فيشعر أنّ هذا القول إنما قيل من أجله فقط. فمن غيره يتّصف بهذه الصفات الماجدة ؟!
كان معلّم الحساب يميل إلى القسوة في تصرفاته، حتّى اعتقد الجميع أنّ الرحمة نزعت من أعماق صدره، وسربلت سنوات العمر قسوته فأصبح قالبًا متصلبًا لا يعرف المهادنة أو الانحناء. وزاد من قوة الاعتقاد أن معلّم الحساب " حكمت"، يزداد بطشا كلّما ازداد عدد الكسور والأعداد ، حتّى أصبح الطلاب يدعون الله أنْ لا تتزايد هذه الأعداد، فيأخذون بالدّعاء قائلين مبتهلين من أعماقهم: اللهم خُذِ الأعدادَ أَخْذَ عزيزٍ مقتدر.
تُسمع خطى معلّم الحساب من بعيد؛ إنَّهم يعرفون وقع خطاه الثقيلة المتثائبة، ويشمّون رائحة الغبار الأزرق المنبعث من بين تضاريسها، فتبدأ الحناجر بالقنوت والتضرّع قائلة في سرّها: اللهمّ سلّم سلّم.
يدخل معلم الحساب في الحصة الأولى، ينظر يبفقّدٍ كالقائد العام إلى وجوه الجنود الكئيبة، يتفحّصهم واحدًا واحدًا، وترتطم الأعين بنظراته الصاروخية فتتداعى هزيمة أمام هذا الجمود القاتل .
الجوّ ساكن حزين، ولونه فاقع، وحظر تجول الأعين ما زال قائمًا.
تُسْـمَعُ زفرةٌ قادمة من الركن الشماليِّ من الغرفة؛ الأمر الذي أدّى إلى خرق أمر منع التجوال.
- من أخرجكِ أيتها الزّفرة المتمرّدة المارقة ؟! كيف استطعت أن تفلتي من هذا الحصار؟! كيف سوّلت لكِ نفسك أن تتمرّدي على قوانين الطبيعة و وتجبِّرِ الحساب؟!. قالها " حسن الدّخيل " متحسّرا في سرّه. إنّه يعلم أنّ المعلم " حكمت" سوف يستجوبه أوّلا؛ هذا المعلّم لا يطيقه صامتا .... وكلّما حدث أمرٌ ما، كان الدّخيلُ القاعدةَ الصّاروخية في عملية العقاب والحساب.
- " حسن الدّخـيـيـيـيـيـل " ..... صفّارة الإنذار والعدّ التّنازليّ انطلقت من فم المعلم .
زوايا الصف تنظر مشفقة على " الدّخيل "، وصرير الباب يصدر صرخته المألوفة تعاطفًا معه . والطاولات الخشبيّة انحنت طائعة باكية عليه.
يقفز " الدّخيل " من مكانه قفزته التّاريخيّة المعهودة، ويهرول متقدّما فاتحًا وجهه ويديه لتلقّي الصفعات والعقاب.
يرفع المعلّم " حكمت " عصاه المجنونة التي تحنّ إلى افتراس الآخرين والتهامهم. إنهم يعلمون أنَّ هذه العصا سوف تجد فرحتها من فوق راحتي " الدّخيل " ، وأنّ راحة المعلّم سوف تجد راحتها من فوق وجنتيْ " الدّخيل ".
العصا تهبط شيئًا فشيئًا، لتتمكّن من الاستيطان، والعقاب العصويّ يعلن حالة الاستنفار والتأهّب، والأَعْـيُـنُ الخرساء ينجم بريقها مصوّرة هذا المشهد اليوميّ، وقبل أن تصل العصا إلى هدفها المنشود، تنطلق رجفة قويّة مدوّية بين أجواء المكان.
- ليس الدّخيل من أطلق الزّفرة .........
أوتار الأعناق تلتف نحو مصدر هذه الرجفة، وعدسات الأعين الخرساء تغيّر زواياها باحثةً متلهّفةَ الالتقاء والاحتضان مع نبع هذا الصّوت.
- أنا من أطلقتها ..... قالها " شلبي" وهو مفعم بالحيويّة والنشاط.
الغرفة العمياء ضجّت مُـهَـمْـهِـمَـةً.
- الدّخيل أطلقها. قالها المعلّم " حكمت "، وهو واثق أنّ ردّه سيكون مفحمًا شلبي.
- أنا من أطلقها، أيّها المعلّم وليس الدّخيل . قالها " شلبي" بإصرار غريب قويّ.
تغيّر العصا مجراها التـاريخيّ بتثاقل غير مألوف، وتهبط رابضة على راحتيْ "شلبي ".
الهبوط كان ثقيلا قاتلا، ولكنّ شلبي ظل واقفا متحجّرا متحدّيا قوّة الضربات واللعنات التي بدأت تخرج من فم المعلّم.
الدّموع لم تكن متوفّرة في تلك اللحظة، الأمر الذي زاد من حنق المعلّم، وكلّما نظر المعلّم إلى " شلبي "، زاد من قوة ضرباته ولعناته.
وتتزايد الضربات العصويّة، ويتعاظم العقاب العصويّ، وكلّما ازداد عدد الضربات، ازداد إصرار وثبات " شلبي"، حتّى أنّه ابتهل إلى الله جاهرًا؛ ولأول مرّة، أن يمدّ في عمر الأعداد.
كانت شكيمة " شلبي " أقوى من كل الضربات التي انهزمت كسيحة أمام نظراته.
وانتشر خبر هذا اليوم في القرية، وأخذت الألسن تلتهم هذا الخبر التهامًا ما زال طعمه منتشرًا متضوّعًا، يُتَلَمَّظُ طعمه حتّى يومنا هذا.
وكلّما مرّت "أم شلبي" مزهوّة بنفسها، مُفتخرة بابنها بـين أزقة القرية؛ كانت الجباه تنحني أمامها مجسدة فَـوْحَ التبجيل والإكبار لهذه الأم العظيمة، التي جعلت من هذا الصبيّ رجلًا صادقًا، لا يقبل الظلم أو البغي.
إنّه يتذكّر هذا اليوم وكأنّه حدث بالأمس.
هذا اليوم لم يغب عنه لحظة، بل ظل يلازمه أنّى جلس ووقف.
وتسير نفحات الأمس البعيد القريب هامسة في أذنية: أين أمثالك يا شلبي؟!
ويشعر " شلبي" أنَّ الأفق يصفّق تهليلًا له، فيشاركه بطولته التاريخية، وأنّ النّجوم شاهدة على صدقه ونبله، وأنّ السماء تكتب مسطّرة مبادءه ومناقبه، فيمدّد ساقيه المغلّفتين بحذائه التاريخي، والهواء المرّ يسبح متبخترا في نشوة غامرة، مُنْعِـشًا ظلمة الليل، طامسا بريقَ النّجوم، طاويا سِفْـرَ السّماءِ فوقَ شُـرْفَـتِهِ الّتي ابتلعتْ ثلاثةَ أرباعِ الشَّارِعِ العام.

أضف تعقيب

ارسل

تعليقات

1
جميل رائع ، يا لكلماتك الفاخره ، ولذعه معانيها الحارقه ، جميل رائع ، يا لك من شاعر ، افتخر العرب بكلماتك الهادئه والتي كانت نكهتها عظيمه ، جميل رائع...
جميل رائع ، يا لكلماتك الفاخره ، ولذعه معانيها الحارقه ، جميل رائع ، يا لك من شاعر ، افتخر العرب بكلماتك الهادئه والتي كانت نكهتها عظيمه ، جميل رائع...
فلسطينيه 48 - 29/12/2015

أذهب للأعلى